منوعات

اتجوزت البواب بقلم روماني مكرم 3

كريم بصلي، وكانت عينيه مليانة قرار مصيري مش راجع فيه. مسك إيدي بقوة وقال للمهندسين: * “فعلوا خطة الإخلاء للجهة الخلفية فوراً! ندى… الساعات اللي جاية دي هي النهاية. ألفونسو جاي بنفسه ينهي اللعبة… وأنا مش هسيب القصر ده إلا وهو في الأغلال.” مسكت إيده بانهيار: * “كريم! إحنا في بلد غريبة! لو اشتبكت معاهم هنا…” قطع كلامي وهو بيحط إيده على وشه وبيبتسم ابتسامة واثقة مرعبة: * “أنا مش في بلد غريبة يا ندى… أنا في الميدان اللي أنا خططت له من خمس سنين. جه الوقت اللي يكتشف فيه ألفونسو مين هو ‘كريم يوسف’ بجد!”

انطلقت صفارات الإنذار الحمراء تجأر في أرجاء القصر الأندلسي في ضواحي مدريد، بينما شاشات المراقبة تعكس أضواء السيارات السوداء المصفحة وهي تقتحم البوابات الحديدية الخارجية. المكان تحول في ثوانٍ إلى ساحة حرب من التخطيط والتكتيك المعقد. كريم ما اهتزش لحظة واحدة. تحرك بصلابة وصرامة، وأمر فريق العمليات بالانتشار في أركان القصر. سحبني من إيدي بثبات ووجهني لغرفة آمنة تحت الأرض مجهزة بشاشات مراقبة وباب فولاذي لا يمكن اختراقه. بص لي في عيني وقال بنبرة مليانة حب وحسم:

* “ندى… اقفلي الباب ده من جوة، وما تفتحيش إلا لما تسمعي صوتي. الليلة دي الكابوس ده سينتهي للأبد، والإمبراطورية المزيفة دي هتهاوى.” قبل ما أرد، قفل الباب الفولاذي، ووجدت نفسي في صمت تام، بتابع الأحداث من خلال الشاشات الحية الموصلة بالكاميرات الخارجية والداخلية للقصر. على الشاشة، شفت رجال “دون ألفونسو” بيقتحموا القاعة الرئيسية للقصر، يتقدمهم ألفونسو بنفسه، حاملاً نظرات الغرور والتكبر، ومقتنعاً إن ثروته ونفوذه وهيمنته السيبرانية قادرة على سحق أي حد يقف قدامه. كان يظن إنه داخل يقبــ,,ـــــض على “مهندس هارب” يستخبى في الظلال.

لكن كريم كان مجهز له فخًا لم يخطر على باله. بمجرد ما دخل ألفونسو ورجاله منتصف القاعة الرئيسية، انقطعت الأضواء فجأة، وتفعلت شفرة تعطيل إلكترونية شلت كل الأسلحة الذكية وأجهزة الاتصال التي كانت بحوزة المهاجمين. وفي نفس اللحظة، ظهر كريم من أعلى شرفة القاعة، وحوله رجال الحراسة الرسمية والإنتربول الدولي الذين كانوا ينظرون الإشارة الأخيرة! ألفونسو بص لكريم بصدمة وذهول، وصوت كريم رن في أرجاء القاعة بلغة إسبانية حازمة، وهو بيعرض على شاشة عملاقة خلفه سقوط كل حسابات ألفونسو البنكية، وصدور أوامر القبــ,,ـــــض الدولية بحقه وبحق شبكته في ثلاث قارات في وقت واحد.

ألفونسو حاول يتحرك أو يصرخ بأوامر لرجاله، لكن رجال الإنتربول والشرطة الإسبانية كانوا قد حاصروا المكان بالكامل. وفي دقائق معدودة، انهار الرجل الذي كان يظن نفسه فوق القانون، وقُيدت إيديه بالسلاسل الحديدية، وسُحب خارج القصر مهزوماً مكسوراً أمام كاميرات الصحافة والجهات الأمنية. بعد انتهاء العملية وتأمين المكان بالكامل، اتفتح باب الغرفة الفولاذية، وظهر كريم واقفاً، وعلى وشه ابتسامة الراحة والنصر. رميت نفسي في حــ,,ـــــضنه وأنا ببكي من الفرحة والذهول… النهاية أخيرًا جتلنا، والكابوس اللي عاش معانا شهور انزاح للابد.

رجعت مصر أنا وكريم بعد أيام قليلة، لكن المرة دي مش كـ “حارس عمارة بسيط” ومجرد “خريجة عين شمس”، بل كزوجين واجهوا أعتى عواصف الحياة وخرجوا منها منتصرين. في شقتنا الجديدة في التجمع الخامس، عملنا حفل عشاء كبير، حضره بابا وماما وأقرب أصدقائنا. بابا كان قاعد على السفرة، عيونه مليانة خجل وندم وهو بيطالع كريم، اللي كان بيمارس تواضعه المعهود وبيخدم أهلي بنفسه وبيقدم لهم الأكل والشرب بابتسامته الدافئة. بابا وقف، وحط إيده على كتف كريم، وقدم اعتذار علني قدام الكل بصوت مخنوق بالدموع:

* “يا بني… أنا أسف. أنا حكمت عليك من المظهر، ومن المسمى الوظيفي، ونسيت إن المظاهر خدّاعة، وإن قيمة الراجل الحقيقية مش في شهادة متعلقة على الحيطة ولا في لبس غالي، لكن في معدنه، في صبره، وفي قدرته على حماية بيته وأهله. أنت أثبت لي إني كنت أعمى، وأن ندى اختارت أجدع راجل في الدنيا.” ابتسم كريم وركب إيد بابا باحترام، وقال كلمته التي أصبحت دستور حياتنا:

* “ولا يهمك يا عمي… أنا عمر زعلي ما دخل قلبي منك. أنا اتعلمت إن قيمة البني آدم بتتقاس بأخلاقه، وبصبره في وقت الشدة، وبحبه الصادق. الوظيفة والمظاهر بتروح وتيجي، لكن المعدن الأصيل هو اللي بيفضل ثابت لما الدنيا كلها تتهز.” الحكمة من القصة: * عدم الحكم على الأشخاص بالمظاهر أو المسمى الوظيفي: القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في جوهره، وأخلاقه، ومعدنه عند الشدائد، وليس في اللقب الاجتماعي أو مظاهر الثروة الزائفة. * الصبر والتواضع قوة وليست ضعفاً: القدرة على كتمان القوة والتصرف بحكمة وتواضع في مواجهة الإهانة هي ذروة الشجاعة والرجولة الحقيقية.

* الحب المبني على جوهر الشخص لا يتزعزع: عندما تحب إنساناً لذاته ومعدنه وليس لموقعه أو ثروته، فإن هذا الحب يستطيع الصمود أمام أكبر أزمات الحياة واختباراتها.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى