منوعات

اتجوزت البواب بقلم روماني مكرم 3

وقفت أنا وكريم في عرض الشارع والشمس بتفرش نورها الدافئ على المبنى، وكان أول مرة من شهور أحس إنه بيتفس بالتنفس الطبيعي من غير ما يبص وراه أو يتحسب لكل خطوة. لكن الهدوء ده ما دامش غير لحظات… كريم فتح الموبايل الجديد، وجاله إشعار بعشرات المكالمات المفقودة والرسائل. كان أولها من ماما وبابا. الرسائل كانت تتدرج من الغضب الشديد للرعب: “إنتوا فين؟”، “النور مقطوع في العمارة والشقة فوق مكركبة والباب مفتوح!”، “الشرطة تحت العمارة يا ندى ردّي!”

بص لي كريم بملامح جادة جداً، ونبرته رجعت قوية وواثقة: * “أهلك راحوا الشقة لما ما ردينامش، وشافوا آثار الاشتباك بتاع إمبارح. الباب المكسور والدربكة خلت الجيران يطلبوا الشرطة… لازم نروح هناك فوراً يا ندى.” ركبنا عربية ثانية كانت منتظرة بأمر من الجهة الرسمية، وانطلقنا بسرعة ناحية مدينة نصر. طوال الطريق، كنت حاسة بمزيج غريب من الخوف والمواجهة المؤجلة. أهلي اللي طول العمر شايفين كريم “عامل الصيانة اللي ما حيلتوش شهادة”، النهاردة هيشوفوا المشهد الكامل… بس هل الصدمة هتعدي بسهولة؟

أول ما وصلت العربية تحت العمارة، كان المنظر حافلاً: بوكس شرطة، وسيارة مباحث، والجيران واقفين في التجمعات المعتادة يتودودوا ويتهامسوا. أم أحمد ساكنة الدور الثاني، والعميد متقاعد ساكن الدور الثالث… كلهم واقفين ومباشرة عيونهم طارت علينا أول ما العربيات الفخمة وقفت ونزل منها كريم ببدلته الأنيقة اللي غيرها في المبنى الرسمي، ونزلت أنا جنبه. بابا كان واقف على أول السلم ووشه أصفر ومشدود، وماما واقفة جنبه بتبكي ومسكة منديل. أول ما بابا شافني، جرى عليا وهو بيزعق بصوت مرتزق:

* “إنتِ فين يا ندى؟! إيه اللي حصل في الشقة فوق؟! ومين العالم اللي كانوا ممرغين في الصالون ومربوطين وسابوهم البليس الصبح؟! إنتِ اتجوزتي مجرم ولا إيه؟!” كريم خطى خطوة واحدة واستقر بيني وبين بابا. ما كانش فيه أي نبرة انكسار أو حرج زي زمان، لكن كان فيه احترام ثابت: * “هدّي نفسك يا عمي. ندى بخير، وما فيش أي جرم حصل هنا… اللي حصل كان تأمين لموقف أمني كبير وانتهى رسمياً.” في اللحظة دي، خرج ضابط المباحث برتبة مقدم من مدخل العمارة، أول ما لمح كريم، مشي ناحيته بابتسامة احترام كاملة ومد إيده يسلم عليه بحرارة:

* “باشمهندس كريم! الحمد لله على السلامة. التقرير والتعليمات جتلنا من الرئاسة فوراً. النيابة أخلت السبيل والشبكة كلها اتجابت، ورجالتنا أمنوا الشقة والمنطقة بالكامل.” بابا وقف مكانه مشدوه، عينيه رايحة جاية بين الضابط وبين كريم اللي كان بيسلمه التصاريح الرسمية. * “باشمهندس؟ تعليمات من مين يا فندم؟ إنت مش حارس العمارة ده؟!”.. قالها بابا بنبرة مذهولة ومش مصدقة. الضابط بص لبابا باستغراب وقال:

* “حارس إيه يا حاج؟! الباشمهندس كريم يوسف من أكبر خبراء أمن المعلومات في الشرق الأوسط، وكان في مهمة دقيقة جداً مع أجهزة سيادية لتفكيك أكبر شبكة اختراق وتجسس إلكتروني. وجوده هنا كان غطاء أمني مؤقت ومحسوب بالمليمتر.” الكلمات نزلت على بابا وماما زي الصاعقة. ماما وقفت أيدها على فمها ونظراتها اتغيرت 180 درجة، وبابا كان يبص للحيطان وكأنه بيحاول يراجع كل كلمة إهانة قالها لكريم في وشه طوال الخمس شهور اللي فاتوا. “ده ما كملش تعليمه”، “ده آخره لمبات السلم”، “ده بيجري ورا طلبات السكان”.

كريم بص لبابا بهدوء شديد وقال: * “عمي… الشقة فوق محتاجة بعض الصيانة والترتيب بعد أحداث إمبارح. أنا حجزت لكم جناح في فندق قريب ترتاحوا فيه إنت وحاجّة، وعربيتي هتوصلكم. وعزومتنا على الغدا زي ما هي… بس المرة دي في بيتنا الحقيقي في التجمع.” ماما قربت مني وهي بتترعش ومسكت إيدي: * “يا بنتي… إنتِ كنتِ عارفة كل ده؟” بصيت لماما بثقة وابتسمت: * “أنا اتجوزته وهو في نظركوا بواب، وعرفته على حقيقته لما هو قرر يفتح لي الصندوق. كريم عمره ما كان محتاج شهادة عشان يبان راجل يا ماما.”

طلعنا الشقة مع النيابة والشرطة لمعاينة المكان وتخليص المحاضر الرسمية. كريم كان بيتحرك بثبات وسرعة، ينهي الأوراق، ويتصل بالشركات والمهندسين بتوعه عشان يرجعوا يفتحوا مقراته الرسمية في القاهرة ودبي. وفي وسط المعمعة دي كلها، جه إشعار جديد على تليفونه. فتح كريم الرسالة، وشفت ملامحه بتتغير فجأة. الابتسامة المرتسمة على وشه اختفت، وعينيه أظلــ,,ـــــمت بتوتر غريب مشافتهوش حتى لما كنا محاصرين بالليل! سحبني من إيدي على جنب في الممر الجانبي بعيد عن ضباط الشرطة وبابا: * “ندى… الموضوع ما انتهيش زي ما افتكرنا.”

قلبي وقع في رجلي: * “يعني إيه يا كريم؟ مش الضابط قال إنهم قبــ,,ـــــضوا على الشبكة كلها؟” طلع كريم الشاشة ووراني رسالة مكتوبة باللغة الإسبانية، وتحتها ترجمة آلية: “الصندوق اللي فتحته في القاهرة.. مفتاحه الحقيقي مش في مصر. المحرك الأكبر في مدريد لسه بيحرك الأحجار. لو فاكر إنك حميت زوجتك… يبقوا لسه ما عرفتش إحنا مين.” كريم بصلي ونبرة صوته كانت مرعبة من شدة الجدية: * “الفلاشة والصندوق اللي تسلموا كان فيهم ثلثين الحقيقة بس. الرأس الكبير في المنظمة لسه برة، والإنتربول ما لحقوش يوصلوا له في إسبانيا… والرسالة دي معناه إنه بدأ يتحرك بنفسه.”

مسكت في دراعه برعب: * “هنعمل إيه؟ نبلغ الضابط اللي جوة؟” * “لا… الضابط هنا ينفذ أوامر محلية. الرأس ده معاه اختراقات وعلاقات أعمق بكثير. السفر لمدريد ما بقاش اختيار يا ندى… لازم نسافر فوراً ونقفل الملف ده من هناك بنفسي قبل ما يوصلوا لأي حد من أهلنا هنا.” قبل ما أرد أو أستوعب إننا هنطير من قلعة لقلعة ومن خطر لخطر أكبر، سمعنا صوت صرخة مكتومة من الصالون! جرينا أنا وكريم فوراً… ولقينا بابا واقف قدام الشباك المفتوح، ومسك ورقة سوداء متسابة على السفرة جنب مكان الصندوق الحديدي القديم. ورقة كان مكتوب عليها بدم عريض ورسمة غريبة:

“الموعد في مدريد… أو تكون النهاية هنا.” ساد صمت خادق في الصالون، والورقة السوداء المستقرة على السفرة كانت زي لعنة جديدة نزلت على الرعب اللي كنا فاكرين إننا خلصنا منه. بابا كان واقف جسمه كله بيتكتك، عينيه متسمرة على رسمة الخنجر المطبوعة بالدم والكلمات القليلة المكتوبة باللغة الإسبانية وتحتها ترجمتها بالعربي. ماما كانت سانده على حيطة الممر وشهقاتها مالية المكان.

كريم خطى خطوتين بسرعة، وسحب الورقة من إيد بابا بهدوء ودقة، من غير ما يلمس الحواف. أخرج من جيبه كيس بلاستيك شفاف صغير وحط الورقة جواها. وشه كان خالي من أي تعبير، لكن نظرة عينيه كانت بتقول إننا دخلنا مرحلة جديدة تمامًا… مرحلة الحساب المباشر. بابا بص لكريم بنبرة اتغيرت فيها كل نبرات التعالي السابقة، وبقت مليانة رجاء وخوف حقيقي: * “كريم… يا بني، إيه ده؟ هما مين دول؟ وليه بيتكلموا عن إسبانيا؟ وإزاي الورقة دي دخلت الشقة هنا وفي ضباط شرطة واقفين على الباب تحت؟!”

كريم بص لبابا بثبات، ونبرة صوته كانت حاسمة ومطمئنة في نفس الوقت: * “عمي… ورقة زي دي ما تدخلكوش في حيرة. الشبكة دي أخطبوط، وإلي ساب الورقة دي هنا هو حد من العمال أو الجيران اللي تم تجنيدهم برقم سرّي من غير ما يعرفوا أصل الحكاية. هما عايزين يعملوا حرب نفسية، عايزين يخلونا نتهز ونغلط. أرجوك… خدي طنط واطلعوا على الشقة اللي أمنتكم فيها في التجمع. الحراسة هناك مش هتسيبكم ثانية واحدة، وما حدش هيقدر يلمس شعرة منكم.”

ماما قربت مني وعينيها مغرورقة بالدموع، مسكت إيدي وقالت: * “يا ندى… يا بنتي أرجوكم بلاش السفر ده! بلاش تروحوا للناس دول بزيكم! بلغوا السلطات وهما يتصرفوا!” رديت عليها وأنا بضم إيد كريم، حاسة إن الخوف اللي كان جوايا البارح تحول لصلابة غريبة. لما تشوف جوزك بيحارب طواحين هوا عشان يحميك ويحمي بلد كاملة، ما بيبقاش عندك رفاهية الجبن: * “يا ماما… كريم مش رايح يتفسح ولا رايح يرمي نفسه في الخطر. كريم رايح ينهي الكابوس ده للأبد عشان نعرف نعيش. لو فضلنا مستخبين هنا، هيفضل الخوف ملاحقنا في كل خطوة.”

كريم وجه كلامه للضابط اللي كان واقف مصدوم من تطور الأحداث، واداله التعليمات بسرعة: * “حضرة المقدم… حراسة مشددة على الشقة دي، ونقل والدي ندى فورًا للتجمع بفرقة تأمين كاملة. أنا هطير لمدريد في خلال ساعات، والملف الأمني المحدث هيكون عند سيادتك في خلال دقائق من الجهات السيادية.” الضابط هز رأسه واكتفى بتقديم التحية العسكرية لكريم، وبدأ يتحرك فورًا لتنفيذ الأوامر.

بعد ثلاث ساعات بالضبط… كنا قاعدين في صالة كبار الزوار في مطار القاهرة الدولي. كريم كان بيكلم محاميه الدولي وخبراء الأمن بتوعه في مدريد بلغات مختلفة: إسباني، وإنجليزي. كان بيتكلم بنفس الهدوء القاتل اللي عرفته بيه، لكن سرعته في اتخاذ القرارات كانت مذهلة. أنا كنت قاعدة جنبه، لابسة هدوم سفر بسيطة، وبصلة لجواز سفري اللي كريم طلعلي إياه بتأشيرة دبلوماسية سريعة تم استخراجها في أقل من ساعة. مسك كريم إيدي وابتسم ابتسامة هادية: * “خايفة يا ندى؟”

أخذت نفس طويل وقلت له: * “كنت خايفة وإحنا في الشقة والظلام دامس ومش فاهمة حاجة. لكن دلوقتي… وأنا فاهمة أنا مع مين، الخوف اتغير بقى إصرار. بس قولي يا كريم… مين هو ‘الرأس الكبير’ اللي في مدريد ده؟ وليه الصندوق الحديدي كان فيه المفتاح الأكبر له؟” كريم سكت لحظات، وبص للشاشة الكبيرة اللي في الصالة، وأخد نفس عميق قبل ما يبدأ يحكي:

* “الرأس ده اسمه ‘دون ألفونسو’… رجل أعمال إسباني مرموق في الظاهر، بيمتلك أكبر شركات أمن رقمي في أوروبا، لكن في الخفاء… هو العقل المدبر لشبكة بتخترق البنوك والمؤسسات السيادية وبتبيع البيانات لمن يدفع أكثر. الصندوق الحديدي اللي كان معايا في مصر، ما كانش فيه بس أوراق وقضايا… الصندوق ده كان فيه ‘الشفرة المظلــ,,ـــــمة’. شفرة أنا اللي اخترعتها ودمجتها في نظامهم لما كنت شغال معاهم من غير ما يعرفوا. الشفرة دي هي الوحيدة اللي تقدر تقفل كل حسابات ألفونسو وتكشف كل رجاله وأصوله المالية في الملاجئ الضريبية حول العالم.”

سكت كريم بمرارة وكمل: * “ألفونسو كان فاكر إن اختفائي في مصر كرجل بسيط بيحمي عمارة في مدينة نصر هيدفــ,,ـــــن الشفرة دي مع الأيام. لكن لما عرف إني اتجوزت وقررت أفتحلِك الصندوق، عرف إن الشفرة خرجت للنور… وهو عارف كويس إن لو الشفرة دي اتفعلت من مدريد بالذات، إمبراطوريته كلها هتنتهك في دقائق.” وفي اللحظة دي، نادوا على رحلتنا المتجهة لمدريد.

وصلنا مطار “باراخاس” في مدريد مع هبوط الليل. الجو كان بارد، والمطار زحمة، بس أول ما خطونا خارج بوابة الموصول، استقبلتنا سيارتان سوداوتان فخمتان، ونزل منهم أربعة رجال يرتدون أطقم رسمية. استقبلوا كريم بكل إجلال، وتكلم معاهم قادهم بلغة إسبانية طليقة. ركبنا العربية، وانطلقت بينا في شوارع مدريد المضاءة. المباني الأثرية، الشوارع الواسعة، والأضواء الملونة كانت بتمر من جنبي وكأنها مشهد في فيلم. لكن أنا ما كنتش مع الجمجم والجمال ده، أنا كنت حاسة إننا داخلين عرين الأسد بكرعينا.

العربية ما مشيتش ناحية فندق أو مكان سياحي… اتجهت لضواحي مدريد، ناحية قصر قديم محاط بأسوار عالية وشجر كثيف. بصيت لكريم باستغراب: * “إحنا رايحين فين يا كريم؟ ده مش فندق!” * “ده مقر العمليات الخفي لشبكتنا الأمنية هنا في إسبانيا يا ندى. القصر ده مؤمن بأحدث تقنيات الأمن الرقمي والفيزيائي في العالم. هنا هنجهز الخطوة الأخيرة… الخطوة اللي هتستدرج ألفونسو لفخ ما يقدرش يخرج منه.”

نزلنا من العربية، ودخلنا القصر. المبنى من جوة كان عبارة عن مزيج عجيب بين الطراز المعماري الأندلسي القديم، وأحدث أجهزة التكنولوجيا والمراقبة. شاشات عملاقة على الحيطان بتعرض خرائط حية وتحركات، ومهندسين قاعدين على أجهزة كمبيوتر شغالين في صمت وسرعة. أول ما كريم دخل، الكل وقف وقدم التحية. جه رجل إسباني كبير في السن، شعره أبيض ولامع، وحــ,,ـــــضن كريم بحرارة: * “أهلاً بك يا صديقي… لقد انتظرنا هذه اللحظة طويلاً.” كريم قعد على الطاولة الرئيسية، وسحب اللابتوب الخاص بيه، وطلع الفلاشة الفضية اللي كانت في الصندوق الحديدي، وحطها في الجهاز.

الشاشات الكبيرة في الأوضة بدأت تنور بأكواد وبيانات حمراء وسريعة. كريم كان بيكتب على الكيبورد بسرعة مذهلة، وأنا واقفة جنبه بتفرج بذهول. فجأة… شاشة من الشاشات الرئيسية ظهرت عليها صورة رجل في الستينيات من عمره، بملامح حادة، وعينين باردتين كالثلج، ولابس بدلة فاخرة. كريم شاور على الشاشة وقال بنبرة قاطعة: * “ده ألفونسو… الشفرة بدأت تسحب الحماية عن حساباته وحسابات رجاله دلوقتي. خلال ساعتين، كل شركاته هتنكشف قدام الشرطة الدولية والادعاء الإسباني.” لكن… في نفس اللحظة اللي كريم قال فيها الكلام ده، انطلقت صفارات إنذار حمراء في القصر كله!

الأضواء في القصر بدأت ترمش باللون الأحمر، وصوت هشير وتقطيع جه على أجهزة اللاسلكي! الرجل الإسباني الكبير جرى على الشاشات وصرخ باللغة الإسبانية: * “كريم! في اختراق خارجي جبار بيحصل للأنظمة الميدانية هنا! في قوة مسلحة أجهزة التتبع بتاعتها كشفت موقع القصر… هما في الطريق لينا دلوقتي، قدامهم أقل من عشر دقائق!” كريم اتفض من مكانه، وبص للشاشة اللي بتعرض الكاميرات الخارجية للقصر… شفت أربع سيارات رباعية الدفع سوداء متجهة بسرعة جنونية ناحية بوابات القصر الخارجية!

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى