منوعات

اتجوزت البواب بقلم روماني مكرم 2

تجمدت الدماء في عروقي وأنا قاعدة على الأرض ورا باب الأوضة المتقفل. أيدي كانت مكتومة على بقي، وضــ,,ـــــربات قلبي صبيانية وسريعة لدرجة إنها كانت بركان طالع في زوري. الصوت اللي جه من ورا الباب ما كانش صوت كريم خالص… كان صوت غريب، حاد ومكتوم، بيتكلم بنبرة هادية وبأكسنت مكسرة تحس فيها برودة مش طبيعية: * “يا مدام… افتحي الباب بالراحة. إحنا مش عايزين نأذيكي. إحنا عايزيين الصندوق والفلاشة بس… لو طلعتيهم بالهدوء، هنمشي وننسى إننا شفناكي، وزوجك العزيز… هيفضل عايش.”

الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. “زوجك هيفضل عايش”؟ يعني كريم ما ماتش؟ ولا ده كارت بيضغطوا بيه عليا عشان أفتح الباب وتسلمهم الحساب؟ كنت أضعف من إني أرد، وأجبن من إني أتحرك. الظلام جوة الأوضة كان كاحل، والصوت الوحيد اللي كان مسموع هو صفيح نفسي المكتوم وصوت الخبطات الخفيفة المتكررة على الخشب. وفجأة… الصوت اتقطع. سكون تام ساد الممر لعدة ثواني، وبعدها سمعت صوت خبطة مكتومة وقوية جدًا، تلاها صوت جــ,,ـــــثه بياخد نفس بالعافية وبيقع على الأرض بكل ثقله!

عقلي كان خلاص هيطير. سمعت صوت أنين مكتوم، وبعدين صوت حركة سريعة وهادية، وصوت مفتاح بيدور في قفل الأوضة من برة! انكمشت على نفسي أكتر وجمعت جسمي في الزاوية ورا الباب وأنا بنتــ,,ـــــحب بصوت واطي: * “يارب… يارب استرها… يارب احميني…” الباب اتفتح ببطء، وفي ضوء الفلاش الخفيف اللي كان جاي من الممر، ظهر خيال طويل عريض واقف على عتبة الأوضة. كان ماسك في إيده كشاف صغير، والضوء جه على وشي مباشرة. غمضت عيني بعنــ,,ـــــف وعيطت بصوت عالي:

* “حرام عليكم! خدو اللي أنتم عايزينه وسيبونا في حالنا!” * “ندى… اهدي، ده أنا… أنا كريم.” فتحت عيني بسرعة. الضوء ينزل لتحت، وشفته واقف، هدومه مقطوعة من عند الكتف، ووشه عليه آثار عرق وتراب، وتحت عينه الشمال كانت في كدمة حمرا بدأت تزرق. كان بيتنفس بصعوبة، لكن عينيه كانت بتلمع بالسيطرة والثبات. جريت عليه ومن غير ما أفكر رميت نفسي في حــ,,ـــــضنه. كنت بصرخ وببكي بهستيريا، وإيدي بتترعش وهي بتمسك في قميصه الممزق: * “كريم! أنت كويس؟ عملوا فيك إيه؟ أنا سمعت صوت واحد تاني… افتكرتك…”

ضمّني بقوة، وحط إيده على راسي وهو بيتنفس بتعب: * “أنا بخير… اهدي يا حبيبتي، اهدي أنا جنبِك. المكان أمان دلوقتي… مؤقتًا.” بصيت من ورا كتفه على الممر… وشهقت بعنــ,,ـــــف ورجعت لورا. كان في اتنين من الرجالة المسلحين ممددين على أرضية الصالون، مربوطين بحبال متينة جدًا وسلاسل كانت موجودة في أوضة التخزين، وفمهم ملفوف بلاستيك لاصق عريض. والتالت كان غايب عن الوعي ومسند على الحيطة جنب باب الأوضة، وهو ده اللي كان بيتكلم معايا من ثواني.

كريم مسك إيدي وسحبني جوة أوضة النوم وقفل الباب، وولّع كشاف الموبايل وحطه على التسريحة: * “ندى… اسمعيني كويس. الوقت مش في صالحنا خالص. الرجالة دول طليعة… كشافة جايين يتأكدوا من وجودي ويخدوا الحاجة بالهدوء. طالما الاتصال اتقطع بينهم وبين المحرك الأساسي بتاعهم أكتر من عشر دقايق، المجموعات التانية هتوصل… والساعة اللي جاية الشقة دي مش هتبقى أمان بالمرة.” * “هنعمل إيه يا كريم؟ نكلم الشرطة! نكلم شرطة النجدة فورًا!” كريم هز رأسه بالرفض وهو بيطلع من الدولاب شنطة سفر صغيرة وبدأ يحط فيها حاجات أساسية بسرعة مذهلة:

* “الشرطة مش هتقدر تساعدنا في الدقايق دي يا ندى. الشبكة متقطعة بالكامل في المحيط، وجهاز التشويش اللي معاهم قافل كل الإشارات. حتى لو نزلنا الشارع، المنطقة مقطوع عنها النور وده معناه إن في مراقبة على المداخل. الخروج من الباب الرئيسي للعمارة انتــ,,ـــــحار.” مسكت إيده وأنا حاسة إن عقلي بيتشل: * “أمال هنخرج إزاي؟ هنط من البلكونة؟ إحنا في الدور الرابع!” ابتسم كريم ابتسامة صغيرة في وسط كل الرعب ده، ابتسامة من نفس الابتسامة الهادية اللي كنت بشوفها لما أهلي يغلطوا فيه. قرب مني، وطبع بوسة على جبيني وقال:

* “هو أنتِ فاكرة إني اخترت الشقة دي والعمارة دي بالذات عشان أعيش فيها كحارس لمجرد الصدفة؟ العمارة دي أنا دارس كل شبر فيها… وعارف مخرجها الخفي اللي محدش يتوقعه في المنطقة كلها.” سحب الصندوق الحديدي من تحت الكنبة، وحطه جوة الشنطة الصغيرة، وأخد الفلاشة وجوازات السفر وحطها في حزام قماش عريض ربطه على وسطه تحت القميص. مسك إيدي بثبات وقال: * “يلا بينا… امشي ورايا بالضبط، وما تلمسيش أي حاجة، وما تطلعيش أي صوت.”

خرجنا من الأوضة، وعدينا من فوق الرجالة المربوطين في الصالون. كنت برتعش وأنا بمر جنبهم، لكن كريم كان بيمشي ببرود أعصاب عجيب. ما مشيش ناحية باب الشقة الرئيسي، ولا ناحية السلم… اتجه مباشرة لآخر الممر، ناحية المطبخ! في المطبخ، كريم زق التلاجة الكبيرة بقوة. غريبة إن التلاجة اتحركت بسهولة شديدة وكأنها على عجل مخفي. ورا التلاجة، كان في باب خشب قديم صغَيّر، شكله يدي على إنه ضلفة خزانة خزين أو باب عدادات قديم ملغي. طلع كريم مفتاح تاني من جيبه، وفتح الباب الخشب. ظهر وراه جحر ضيق ومظلــ,,ـــــم، فيه سلم حديدي متثبت في الحيطة ونازل للأسفل!

بصيت له بذهول: * “إيه ده يا كريم؟ السلم ده رايح فين؟” * “ده سلم طوارئ قديم كان معمول في تصميم العمارة من الثمانينات وبيعدي جوة منور العمارة المقفول لحد البدروم التحتاني. البدروم ده بيفتح على ممر ضيق ممتد تحت الأرض وبيخرج على الشارع الخلفي ورا العمارة بـ 100 متر… بعيد تمامًا عن الرقابة اللي على المدخل الرئيسي.” نزل كريم الأول، ومد إيده ليا: * “انزلي يا ندى… حطي رجلك على الدرج وبصي فوق، ما تبصيش تحت.”

بدأت أنزل وراه ببطء شديد. الهواء جوة المنور كان بارد وريحة التراب مكتومة، لكن الخوف كان بيدفعني إني أتحرك أسرع. نزلنا حوالي أربع أدوار في الظلام، ونزلنا أخيرًا على أرضية خرسانية. كريم فتح كشاف صغير، ومشينا في ممر ضيق جداً بين أساسات العمارة، لحد ما وصلنا لباب حديد صغير صدئ. كريم زق الباب بالراحة… وخرجنا منه لشارع جانبي ضيق جداً ومظلــ,,ـــــم، ورا العمارة. الهواء النقي ضــ,,ـــــرب في وشي، وحسيت إني بتنفس من جديد. لكن الراحة دي ما دامتش أكتر من ثواني!

أول ما خطونا خطوتين في الشارع الجانبي، سمعنا صوت صرير كاوتشات عربية ثقيلة بتفرمل بحدة في أول الشارع! كريم مسك إيدي وعصرها: * “جري يا ندى! بسرعة!” بدأنا نجري في الشوارع الجانبية لمدينة نصر. الشوارع كانت فاضية تمامًا، والظلام يخوف. صوت خطانا كان بيرن في الشارع. العربية السوداء اللي فرملت ورافت نورها العالي ضــ,,ـــــرب في ظهرنا، وبدأت تطاردنا في الممرات الضيقة! كريم كان عارف كل دخلة وكل زنقة في المنطقة. دخل بي في زنقة ضيقة بين عمارتين تحت الإنشاء، واستخبصنا ورا كوم زلط ومواد بناء ضخمة. مسك إيدي وحطها على صدـ,,ـــره عشان أهدي ضــ,,ـــــربات قلبي اللي كانت مسموعة.

العربية السوداء عدت من الشارع الرئيسي بسرعة، ونورها مسح المنطقة ومشي. قعدنا ورا الزلط بناخد نفسنا. كنت مهدودة تمامًا، ورجلي مش شايالاني. بصيت لكريم وقلت له بدموع: * “وبعدين يا كريم؟ هنروح فين؟ شقتنا خلاص راحت، وأهلي… يارب، أهلي ممكن يؤذوهم؟” كريم بصلي بثبات وقال: * “أهلك أمان يا ندى. الناس دول يدوروا عليا أنا وعلى الصندوق. أهلك بالنسبة لهم برة اللعبة تمامًا وميعرفوش أي حاجة. بس إحنا دلوقتي لازم نختفي لحد ما الصبح يطلع ونوصل للمكان الوحيد اللي يقدر يحمينا ويقفل الملف ده للأبد.”

* “مكان إيه؟” * “السفارة… والنيابة الكلية. أنا مجهز الأوراق، بس كان فاضل خطوة واحدة أخيرًا. وبما إنهم وصلوا لي، يبقى الكارت الأخيرزم يترمى فورًا.” وقف كريم ومد إيده ليا. مشينا ببطء وفي حذر شديد لحد ما وصلنا لشارع رئيسي. كريم طلع تليفون صغير جداً (من التليفونات القديمة اللي مش زكية) من جيبه التاني، وسحب منه شريحة ورماها في الشارع، وحط شريحة جديدة وطلب رقم. رد الطرف الثاني بعد رنة واحدة. كريم اتكلم بلغة إنجليزية سريعة وبنبرة صارمة جداً:

* “النظام اتقرأ. المجموعات حركت الأرض. أنا معايا الأصول. الشفرة الذهبية جاهزة للتفعيل. تقاطع مكرم عبيد خلال عشر دقايق… جيبوا الحراسة فورًا.” قفل الخط، وبصلي. * “مين دول يا كريم؟”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى