
سلفتى بتعايرنى ان ابنى معاق وتقول انا معايا ثلاب بنات زى العسل وكل شويه أسمعها تقول لجوزها ما يمكن كنت جبت ولد أهبل زى ابن اخوك دول البنات عسلات البيت هو فيه زى بناتى ابن اخوك اهو ولد معاق واهبل وانا جبتلك بنات عسل ولما بتشوف ابنى لازم تزعلنى وفى يوم دخلت شقتى عملت كوبايه شاى وقولتلها اتفضلى تقولى اكيد ابنك شارب منها وانا بقرف منه ده اهبل أعفينى
كانت كلاماتها بتطلع من بين سنانها زي بتغرس في قلبي. كل يوم الصبح، أول ما أفتح باب الشقة عشان أمسح السلم ولا أرمي الزبالة، أسمع صوت نادية «سلفتي» وهي بتتكلم بصوت عالي ومخصوص عشان تضمن إن الصوت واصل لحد عندي: — يا سعيد، أحسن حاجة إن ربنا رزقنا بتلات بنات زي العسل! كل شوية أقول الحمد لله.. ما يمكن لو كنت جبت ولد، كان طلع أهبل وعبيط زي ابن أخوك؟ البنات دول هما بركة البيت، ولا إيه؟ هو فيه زي بناتي؟ ابن أخوك أهو ولد، بس معاق وأهبل، وأنا جبتلك بنات زي السكر خاليين من أي عيب!
كنت بأقف ورا الباب، أبلع ريقي بحسرة والدموع بتكوي خدي، وأضم ابني «ياسين» لصدـ,,ـــري. ياسين عنده سبع سنين، ومكنش «أهبل» زي ما هي بتقول، هو بس ربنا ابتلاه بحالة عصبيّة ونطقية نادرة مأثرة على حركة إيده وعلى كلامه، بس قلبه أبيض زي الفل وعينيه مليانة ذكاء وحنية. نادية مكنتش بتكتفي بالكلام من ورا الضهر؛ دي كانت بتتحين أي فرصة عشان بخاطر ابني. لو شافته في مدخل العمارة، تتفزع وتسحب بناتها لورا بحركة مسرحية وكأنه مرض معدي، وتصرخ بصوت واطي ومسموع: “ابعدوا يا بنات، بلاش يقرب منكم، ربنا يعافينا وما يبلينا!”
وفي يوم، نزلت عندي الشقة بحجة إنها عاوزة حاجة كانت سلفاهالي. استقبلتها عادي وقلت العيب ما يخرجش مني، ودخلت المطبخ عملتلها كوباية شاي مظبوطة عشان أوجب معاها. حطيت الصينية قدامها، راحت رافعة حاجبها وباصة للكوباية بقرف، وزقت الفنجان بظهر إيدها وهي بتقول بمنتهى التكبر والغل: — إيه ده؟ الكوباية دي أكيد ابنك الهبل شارب منها أو حط إيده فيها! أنا بقرف منه ومن أي حاجة يلمسها، ده عيل أعفين.. اعفيني ومش شاربة عندك حاجة.
ساعتها دموعي نزلت غصب عني ودمي غلى في عروقي، بس جوزي «حسام» مكنش موجود، وما كانش قدامي غير إن أدعي ربنا في سري إنه يجبر بخاطري ويجيبلي حق ابني البريء اللي مالوش أي ذنب في الليلة دي كلها. دارت الأيام ونادية كانت بتزيد في قسوتها وتعايرني بقلة أدب، لحد ما جه اليوم اللي شقلب الكيان كله. كنت قاعدة مع حسام جوزي بالليل، وكان بيبص في تليفونه بتركيز وفجأة لقيته قام وقف من طوله والدموع في عينيه من الفرحة، وقال وهو صوت يترعش:
#الكاتب_رومانى_مكرم — الحقي يا هدى! تعرفي إن فيه دكتور كبير أوي نازل من ألمانيا مخصوص، وده أكبر استشاري متخصص في حالة ياسين بالظبط؟ نازل مصر الأسبوع الجاي في زيارة للمستشفى الكبير! — الحقي يا هدى! تعرفي إن فيه دكتور كبير أوي نازل من ألمانيا مخصوص، وده أكبر استشاري متخصص في حالة ياسين بالظبط؟ نازل مصر الأسبوع الجاي في زيارة للمستشفى الكبير — الحقي يا هدى! تعرفي إن فيه دكتور كبير أوي نازل من ألمانيا مخصوص، وده أكبر استشاري متخصص في حالة ياسين بالظبط؟ نازل مصر الأسبوع الجاي في زيارة للمستشفى الكبير!
سجدت في أرضيتي وأنا بدمع وبشكر ربنا من كل قلبي. الأمل اللي كان مقطوع رجع ينور في حياتنا من جديد. حسام ما كدبش خبر، وطار على المستشفى يلتزم في الطابور وحجز معاد مع الدكتور الألماني، «دكتور هانز». في يوم الكشف، أخدنا ياسين ورحنا، وقلبي كان بيلف في صدـ,,ـــري من الخوف والرجاء. نادية لما عرفت إننا رايحين للدكتور، وقفت على باب شقتها وقالت بصوت شامت مسموع: — رايحين ترموا فلوسكم في الأرض على عيل مالوش علاج؟ ما تدعوا له بالرحمة أسهل بدل ما تضيعوا شقاكم على أوهام!
طنشت كلامها وركبت مع حسام. لما دخلنا للدكتور هانز، بصلنا بابتسامة حنونة وبدأ يفحص ياسين ببراعة واهتمام شديد. ياسين بص للرجل الأجنبي وابتسم ابتسامة بريئة ورفع إيده بصعوبة عشان يسلم عليه. الدكتور أثر فيه الموقف جداً، وبص لشعر ياسين ولمس راسه بحنية، وبعد ما شاف الأشعات والتحاليل، التفت لينا والمترجم يترجم كلامه:
الحالة دي نادرة جداً، بس مش مستحيلة. العلاج والعملية الجراحية المطلوبة متطورة ومش متوفرة هنا، بس مركز أبحاثي في ألمانيا بيتكفل بالحالات دي بالكامل على حسابي الخاص كجزء من أبحاث الجراحة العصبية.. أنا هاخد ياسين معايا ألمانيا وهعالجه بالكامل بدون ما تدفعوا مليم واحد!
حسام مسك إيد الدكتور وهو بيعيط ومش مصدق، وأنا كنت حاسة إن ربنا بيجيبلي حق ابني قبل ما تبدأ رحلة العلاج. الدكتور أصر إننا نجهز الأوراق والتأشيرات بأسرع وقت، وبالفعل في خلال أسبوعين كنا خلصنا كل حاجة، والدكتور سفر ياسين ومعه حسام على ألمانيا لبدء الرحلة. في اليوم اللي حسام وياسين سافروا فيه، نادية كانت واقفة تبص من الشباك بغل وحسد ومش مستوعبة إن العيل اللي كانت بتقول عليه «أهبل وأعفين» مسافر ألمانيا وعلى حساب أكبر دكتور في العالم!
مرت ثلاث شهور وأنا قاعدة في لوحدي بأدعي ربنا كل دقيقة، والتليفونات ما بتبطلش بيني وبين حسام. كل يوم كان بيبعتلي فيديوهات لياسين وهو بيتحسن؛ الحركة في إيده بدأت ترجع طبيعية، والنطق بقى أوضح بكثير، ووجهه نور ورجعت له صحته. وفي يوم، ونادية نازلة على السلم بتتبغدد كعادتها، سمعت صوت تليفوني بيرن فيديو كول من حسام. فتحت الخط ورفعت الصوت على آخره، ووقفت عند باب اعشان تضمن إنها تسمع. ظهر ياسين على الشاشة، واقف على رجليه بثبات، وبصلي بابتسامة زي الشمس وقال بصوت واضح ومظبوط 100%:
— إزيك يا ماما؟ أنا بقيت كويس أوي وراجعلك أنا وبابا بكرة! نادية كانت واقفة على السلم، رجليها اتسمرت مكانها وكوباية العصير اللي كانت في إيدها وقعت اتكسرت على الأرض، وعينيها كانت هتطلع من مكانها وهي شايفاه بيتكلم ويتحرك زي الفل..
رجعت نادية لورا خطوتين وهي مش مصدقة اللي سمعته وشافته بعينيها. الفون كان في إيدي وصوت ياسين الخارج من السماعة وهو بيقول «أنا بقيت كويس يا ماما وراجعلك بكرة» كان يرن في أركان العمارة كلها زي صاعقة نزلت على رأسها. طلعت تجري على ا وقفلت الباب وراها بعنــ,,ـــــف، وأنا قعدت على السلم وبكيت، بس المرة دي دموعي كانت دموع فرحة وراحة، دموع حق بيرجع بعد طول انتظار.
طول الليل مكنتش عارفة أنام، عيني مش متغمضة، أجهز البيت، أنضف أوضة ياسين، أفرش ملايات جديدة، وأشم ريحة كل هدوم من هدومه وأنا بضمها لصدـ,,ـــري. كانت الساعة بتمر عليا كأنها سنة كاملة. الصبح بدري، أخدت بعضي ونزلت للمطار، مكنتش قادرة أستنى لحظة واحدة في البيت. في صالة الوصول، كنت واقفة وسط الزحمة، عيني معلقة على الباب اللي بيخرج منه المسافرين. قلبي كان بيدق بسرعة رهيبة، لحد ما شفت حسام طالع، ومسك في إيده.. ياسين!
أول ما ياسين شافني، ساب إيد أبوه وجري عليا.. جري خفيف وسريع وثابت! مسكت فيه وضميته لصدـ,,ـــري وأنا بصرخ من الفرحة، وببوّس كل شبر في وشه. ياسين مسح دموعي بإيديه الاثنين وقال بصوت واضح ونقي جداً: — بلاش تعيطي يا ماما، أنا بقيت قوي خلاص، ومفيش حاجة توجعني تاني. حسام حــ,,ـــــضننا إحنا الاثنين وهو بيبكي ويقول: — ربنا كبير يا هدى، ربنا جبر بخاطرنا وما كسرتناش أبداً. الدكتور هانز عمل معجزة، Process طويلة وتدريب شاق، بس ياسين كان بطل وكان عاوز يرجعلك وهو سليماً معافى.
رجعنا العمارة، وأنا حاسة إن الأرض مش شايلاني من الفرحة. أول ما دخلنا المدخل، لقينا العمارة كلها طالعة تستقبلنا، الجيران والأقارب اللي عرفوا بالخبر نازلين يباركوا ويسلموا على ياسين. الناس كانت مبهورة وشايفة الولد اللي كانوا بيقولوا عليه «مفيش منه أمل» واقف بثبات، بيتكلم بلباقة، وبيسلم على الكبير والصغير بأدب وذكاء شديد. في اللحظة دي، فتحت نادية باب ا ببطء، وطلت برأسها وهي باصة لياسين بذهول وغل مكتوم. حسام بصلها بثبات، وياسين أخد باله منها، وبص لها بابتسامة بريئة وقال بصوت عالي أمام الجيران كلهم:
— أزيك يا طنط نادية؟ البنات عاملين إيه؟ أنا رجعت خفيت خالص الحمد لله، والدكتور في ألمانيا قال إن الذكاء عندي ممتاز وجسمي بقى قوي جداً! نادية أتنحست وما عرفتش تنطق بكلمة واحدة، وشها جاب ألوان، والكل كان بيبص لها وهو عارف الكلام والمعايرة اللي كانت بتقولها عليا وعلى ابني. ردت بصوت مخنوق ومتردد:

