الكلمة نزلَت على المكتب زي مطرقة حديد نزلت على دماغنا كلنا. الأوضة اتسحبت منها الهوا في ثانية. أنا اتسمرت في مكاني، عينيا اتسعت وعقلي رفض يستوعب الاسم.. زوج أختي الهام؟! طارق؟! صالح صرخ بنبرة طالعة من قاع جرحه، نبرة هدت هدوء المكتب كله: “مين؟! طارق نسيبهم؟! يعني إيه؟! يعني الشبكة أكبر من حسام بس؟! يعني العيلة كلها كانت بتاكل في لحمي وأنا مغترب ودمي محروق في الخليج؟!”
المقدم أحمد رفع إيده يهديه بصارم: “اهدى يا أستاذ صالح عشان تفهم.. طارق مظبوط عليه برة ومعه السبكوتين، ولما واجهناه بأرقام السبايك والبلاغ، وش الفواكه اتكشف. طارق اعترف بسرد كامل، وقال إن الكلام ده مبدأش من ست شهور زي ما حسام ادعى في محضر السرقة.. الكلام ده بدأ من أول شهر نزلت فيه مدام أمل مصر بالدهب!” أنا حطيت إيدي على بقي، ودموعي نزلت زي المية المغلية. حسيت بركبي بتتسحب من تحتيا. صالح بصلي بنظرة كره وخذلان عمري ما شفتها في عينيه، نظرة خليتني أتمنى الأرض تنشق وتبلعني قبل ما أسمع باقي التفاصيل.
الظابط فتح محضر التحقيق الأولاني وقرأ منه: “طارق قال إن حسام أخو مدام أمل، لما عرف إن الأمانة اتسالمت لأمه وإن الشنطة فيها سبائك وغوايش تقيلة تسوى ملايين، اتحدد مع أخته التانية -زوجة طارق- ومع أمكم يا مدام أمل!” “أمي؟!” صرخت وأنا بحط إيدي على صدـ,,ـــري ومش قادرة أتنفس: “أمي كانت عارفة؟! أمي اشتركت في الخيانة دي?!”
المقدم أحمد كمل ببرود قاضي بيحكم بالقانون: “طارق قال إن أمكم كانت شايفة إن الدهب ده كتير أوي على بنت واحدة، وإن أختك التانية جوزها مديون وحسام أخوكي محتاج يبدأ مشروع وشقته محتاجة توضيب، فاقتنعوا إنهم ياخدوا جزء من الدهب يبيعوه ويحلوا بيه مشاكلهم، ولما حسوا إن الموضوع عدى ومحدش اكتشف حاجة، الطمع أكل قلوبهم وأخدوا باقي الدهب كله! وعشان يغطوا على الجريمة قبل ما أستاذ صالح ينزل مصر، حسام عمل محضر السرقة الوهمي اللي في القسم من ست شهور عشان يلبسها لمجهول!”
صالح قام وقف على رجيله بصعوبة، عروق رقبته كانت بارزة وهتفرقع من الدم، مسك في حافة المكتب وبص للظابط وهو بيتنفض: “يعني أهليها.. العيلة اللي أمنتها على شقايا وصحتي، اتآمروا عليا وعملوا تشكيل عصابي عشان يسرقوا عرق أربع سنين؟! حسام وأخته وطارق وأمهم?!” “بالظبط كده يا أستاذ صالح,” المقدم أحمد قال وهو بيطلب من العسكري يدخل طارق المحبوس: “ودلوقتي أنا طلبت أمر ضبط وإحضار لحسام ولأختك الكبيرة، وجاري استدعاء الأم للتحقيق معاها بصفتها الشريك والمستأمن الأول على الأمانة.”
الفرقة دخلت طارق، كان الكلبش في إيده، وشه للأرض، الهدوم دبلانة وواضح عليه الرعب. أول ما شاف صالح، جسمه اترعش وابتعد لورا. صالح اندفع ناحيته زي الأسد الجريح، ولولا العساكر والظابط جرو ومسكوه كان .ه في إيده. صالح كان بيصرخ فيه وهو بيتخانق مع العساكر: “ليه يا طارق؟! ده أنا اللي جايبلك شغل في قطر قبل ما ترجع! ده أنا اللي كنت بسلفك ولما تتزنق أقول ده جوز أخت مراتي! تسرقوني؟! تاكلوا شقا بناتي؟!”
طارق بكى بنذالة ووطى رأسه: “والله ما كان فكرتي يا صالح! حسام وأختها هما اللي زقوني! قالولي صالح مقتدر وبيكسب بالريال في قطر ومش حاسس بالنعمة، وإحنا غرقانين في الديون هنا! قالولي الدهب ده هيتنسى وهنقول اتسرق والقانون مش هيتوصل لحاجة! أنا مجرد خدت السبايك أبيعها في الصاغة عشان ليا معارف هناك!” أنا كنت واقفة في زاوية الأوضة زي الجــ,,ـــــثه. كبرياء عيلتي، شرف أهلي، الحنية اللي تربيت عليها.. كل ده اتدهس تحت جزمة الطمع. أمي اللي حملتني وولدتني، أمي اللي حلفتلي إن الدهب في عينها، كانت هي غطاء التشكيل العصابي اللي نهب بيتي!
صالح لف وش حاد ناحيتي، نظرة عينيه كانت سكاكين بتدبح في جسمي: “سمعتي يا بنت الأصول؟ سمعتي أهلك الشرفاء اللي أمنتيهم على عرق جوزك؟ سمعتي أمك الحنونة اللي شلت عندها الأمانة؟ شفتي الخبايث اللي كنتِ مخدوعة فيهم؟” “صالح.. والله العظيم ما كنت أعرف..” حشرت الكلمات في زوري بالعافية وأنا ببكي بهستيريا: “والله العظيم أنا اتخدعت زيك.. أنا مظلومة يا صالح!” “سكتي!” صرخ فيا بصوت هز أركان القسم: “أنتِ سبب كل ده! لو كنتِ سمعتي كلامي وشلتي حاجتك في بيتك، لو مكنتيش بتجري ورا كلام أمك وتفضلي أهلك عليا، مكنش شقا عمرنا طار! أنتِ شريكة معاهم بغبائك وثقتك العمياء!”
في اللحظة دي، دخل العسكري ومعه القوة اللي راحت تقبــ,,ـــــض على حسام وأختي. دخل حسام وهو متكلبش، ووشه زي الزفت، ووراه أختي الكبيرة سمر وهي بتعيط وتلطم، وفي آخر الممر كانت أمي جاية بتتسحب، ساندة على عكازها، عينيها للأرض ومش قادرة ترفع عينها فيا ولا في صالح. القسم اتقلب مناحة. سمر أول ما شافت طارق جوزها متكلبش صرخت: “الله يخرب بيتك يا طارق! بعتنا وعترفت علينا؟!” حسام بص لطارق بغل وحقد وقال: “أنت عيل بياع وواطي!”
المقدم أحمد ضــ,,ـــــرب بقوة على المكتب: “بس أنت وهو! المكان هنا قسم شرطة مش حارة! الكل يقعد ويسكت!” الظابط وجه كلامه لأمي اللي كانت قاعدة على الكرسي وجسمها كله بيمــ,,ـــــوت من الخوف: “يا حجة.. أنتِ متهمة بخيانة الأمانة والتستر على سرقة مشغولات ذهبية بقيمة تتجاوز 3 مليون جنيه، والاشتراك مع ولادك في بيع جزء منها والتستر على الباقي. أقوالك إيه؟”
أمي بكت بصوت تقيل ومخنوع، بصت لصالح وقالت بصوت مكسور: “يا بني يا صالح.. أنا أم، وحسام كان بيغرق في الديون وشقته كانت هتتجزى، وسامحني يا بني أنا قلت صالح خيره كتير وهيعوض، والبت أمل جوزها مش هيخليها محتاجة.. قلت نستر أخوها ونستر أختها وبعدين لما ربنا يفرجها نبقى نرجعله حقه..” صالح ضحك ضحكة مجنونة، ضحكة فيها وجع يهد جبال، وبص لأمي وقال: “تستري ولادك بشقايا؟! تأكلي ولادك الحرام من دم راجل غربته أكلت من صحته ورئتيه في الحر والشمس؟! هو أنا كنت شغال عندكم خدام يا حجة عشان تفرقي شقايا على عيلتك؟!”
المقدم أحمد وقف وقال بحسم: “كده الاعترافات اكتملت. طارق اتمسك بالسبائك، وحسام وسمر معترفين ضمنياً بالاشتراك، والأم معترفة بخيانة الأمانة. النيابة العامة هي اللي هتحدد موقف كل واحد، والسبائك اللي تم ضبطها هتحفظ في حرز القضية لحد ما النيابة تصدـ,,ـــر قرارها برجعها لمالكها الشرعي.” حسام بصلنا بصوت مستفز وصرخ: “يا أمل! قولي لجوزك يتنازل! أنا أخوكي! هترضي تسجــ,,ـــــني أخوكي وأختك وأمك اللي كبرتك؟! الفلوس تروح وتيجي يا أمل بس الأهالي مبتتعوضش!”
أنا بصيت لحسام، وبعدين بصيت لأختي سمر اللي كانت بتبصلي بنظرة ترجي، وبصيت لأمي اللي كانت بتمــ,,ـــــوت في جلدها من الخزي. في اللحظة دي، حسيت إن قلبي مات. النظافة والطيبة اللي كانت جوايا اتحولت لرماد. قربت من حسام خطوة، وبصيت في عينيه بثبات غريب عليا: “أنت مش أخويا يا حسام.. الأخ مابيسرقش أخته، الأخ مابيدبحش جوز أخته اللي كان خيره عليك.. أنت وأختك وأمي أكلتوا لحمي وأنا حية، واليوم ده هو اليوم اللي ماتت فيه العيلة دي بالنسبة لي.”
لفيت وشي لصالح، لقيته باصصلي بجمود. ملامحه كانت حجر، وكأن الأزمة دي ممسحتش بس أهلي من حياته، دي مسحتني أنا كمان مع كروت الخيانة دي.
الظابط أمر بالتحفظ عليهم جميعاً لعرصهم على النيابة في الصباح. إحنا خرجنا من القسم، الشمس كانت بدأت تشرق على شوارع القاهرة، بس الدنيا جوايا كانت ضلمة زي الكهف. صالح كان ماشية قدامي ببطء، خطواته تقيلة ومكسورة. مشيت وراه لغاية ما وصلنا للشارع عشان نوقف تكسي. وقفت جنبه وأنا بحاول ألمس إيده: “صالح.. الحق بيرجع، والسبائك هتسترد بالكامل، والنيابة هتجيب باقي الحاجة من بياعين الصاغة اللي اشتروا..”
صالح وقف، وسحب إيده من إيدي بمنتهى البرود والجمود. بصلي بنظرة خالية من أي مشاعر، بصة شخص غريب كلياً. “الدهب هيرجع يا أمل..” قالها بصوت هادي يرعب أكتر من الزعيق: “القانون هيجيبلي حقي من أهلك.. بس الحق اللي بيني وبينك ملهوش قانون يجيبه.” قلبي سقط في رجلي: “يعني إيه يا صالح؟ أنت بتقول إيه؟”
صالح قرب مني وقال بكلمات حادة زي المشرط: “يعني الشقا اللي راح ورجع، كشفلي إن مراتي ملهاش أمان.. إن ثقتك في أهلك كانت أعلى من حمايتك لبيتي ولبناتي. أنا مش هقدر أبص في وشك وأفتكر إن دموع أمك وأخوكي هما اللي كانوا هياخدوا عمري لحسابهم وأنتِ واقفة في النص مخدوعة.” “صالح أرجوك! أنا مظلومة! أنا أكلت الصدمة زيك!” صرخت وأنا بمسك في هدومه. صالح نزع إيدي بعنــ,,ـــــف، وبصلي بثبات قاسي وقال: “أنا راجع البيت ألم هدومي وأخد بناتي.. ورقتك هتوصلك على بيت أمك المهدوم ده يا أمل.. الحساب بيني وبينك انتهى، والقصة دي كشفت كل واحد على حقيقته!”
سابني واقفة في الشارع لوحدي، وركب التكسي ومشي.. وأنا واقفة ببتفرج على طيف العربية وهو بيبتعد، بين نــ,,ـــــار أهلي الخونة اللي رايحين السجــ,,ـــــن، ونــ,,ـــــار جوزي اللي سابني وكسر قلبي في لحظة النصر. وقفت في الشارع زي التماثيل، صوت مــ,,ـــــوتور التاكسي وهو بيبعد كان بيرن في وداني زي صوت ان hissing صدمة قاضية. الشارع كان يبدأ يصحى، الناس ماشية رايحة شغلها، والأفران بتطلع دخانها، وأنا واقفة بجلابيتي ودموعي ناشفة على وشي، حاسة إن العالم كله بيتحرك وأنا الوحيدة اللي اتجمدت في لحظة خراب كامل.
أهلي في الحجز رايحين النيابة بتهمة سرقة وتشكيل عصابي وخيانة أمانة، وجوزي حبيب عمري ورقة طلافي في السكة وبناتي هيتاخدوا مني! حسيت بركبي بتنمل، والدنيا لفت بيا، وقعدت على الرصيف حاطة رأسي بين إيديا.. “يا رب.. يا رب أنا ذنبي إيه؟ أنا كل ذنبي إني وثقت في أمي! هو حسن النية بقى جريمة يتعاقب عليها البنادم بالمــ,,ـــــوت بالبطيء؟” ساعتين وأنا مش قادرة أقوم من مكاني، لغاية ما تليفوني رن.. كان رقم جارتي أم عبده اللي البنات عندها. رديت بصوت طالع بالعافية: “أيوة يا أم عبده..”
صوت أم عبده كان مرعوب ومحتار: “أ الحقيني يا أمل! صالح جه أخد البنات والشنط بتاعتهم، وكان بياخد حاجته من الشقة ووشه زي الميتين! البنات عمالين يعيطوا ويقولوا بابا رايح فين ويا ماما تعال معانا، وهو ماسك إيديهم ونزلهم في تاكسي ومشي! قلتله في إيه يا أستاذ صالح قال لي قولي لأمل تسأل على ورقتها عند المحامي!” الخبر نزل عليا جابلي صرخة مخنوقة في صدـ,,ـــري. قمت وقفت بلهفة مجنونة: “أخد البنات؟! أخد البنات ورايح فين يا أم عبده?!”
“معرفش يا بنتي! سألته رايح فين قال لي راجع بلدهم في الشرقية عند أهله.. الحقيه لو تقدي!” جريت في الشارع زي المجنونة، وقفت أول تاكسي وجريت على محطة الأتوبيسات. كنت بدعي ربنا إن الطرق تكون زحمة، إن الأتوبيس يتأخر، إن أي معجزة تحصل تخليني ألحق بناتي قبل ما يختفوا من حياتي. أربع سنين حرمت نفسي فيهم من قطر، أستحملت الغربة والوحدة عشان أربيهم ويكونوا في حــ,,ـــــضني، وفي الآخر يضيعوا مني في ثواني بسب خيانة مش إيدي فيها!
وصلت المحطة، كنت بلف بين الأتوبيسات والعربيات زي التايهة، بنده باسم “نور” و”فريدة”.. والناس تبصلي باستغراب وفكروني اتجننت. وفجأة، لمحت صالح من بعيد.. كان قاعد على كرسي خشبي متهالك في صالة الانتظار، حاطط شنطتين كبار جنبه، وماسك إيد نور وفريدة اللي كانوا بيعيطوا ويهزوا في إيده. اندفعت ناحيتهم زي السهم: “صالح! بناتي! أوعى تعمل كدة يا صالح!” صالح أول ما شافني، وشه اتغير وجمد، وقف وحط البنات ورا ضهره فوراً كأني وحش جاي يفترسهم. البنات شافوني وجيوا يجروا عليا: “ماما! بابا بيقول مش هنرجع شقتنا تاني وهنعيش في البلد!”
حــ,,ـــــضنتهم بقوة، مسكت فيهم كأني بمسك في حياتي، ودموعي نزلت تغرق هدومهم: “لا يا حبايب قلبي.. ماما معاكم، مش هسيبكم أبداً.” صالح قرب وسحب البنات من حــ,,ـــــضني بقوة وقسوة مكنتش متخيلها فيه، وقال بصوت واطي ومسموم: “أوعي تحطي إيدك عليهم! البنات دول مش هيتربوا في عيلة حرامية! مش هسيب بناتي يتأثروا بأخلاق أهلك اللي سرقوا شقا عمرهم!”
بصيتله وركعت قدامه في وسط المحطة قدام الناس كلها، اتخليت عن كل كبريائي: “عشان خاطر ربنا يا صالح.. اضــ,,ـــــربني، امــ,,ـــــوتني، خد الدهب واديني ضــ,,ـــــرب في الشارع بس متاحرمش من بناتي! أنا ماليش ذنب في اللي أهلي عملوه! أنا اتخدعت زيك وأكتر منك! أمي اللي جابتني طعنتني في ضهري، متكملش أنت عليا وتكسر بقية عمري!”
صالح بصلي بعيون مليانة مرارة ودق على صدـ,,ـــره بقوة: “وأنا مين يجيبلي عمري اللي اتسرق؟! مين يرجعلي صحتي اللي راحت في الخليج؟! أنتِ يا أمل كنتِ الباب اللي دخل منه الحرامية لبيتي! لو كنتِ زوجة صالحة بتصوني سر جوزك وماله مكنش ده حصل! أنتِ اخترتي أهلك ووثقتي فيهم على حسابي، ودلوقتي اتحملي نتيجة اختيارك!” “أنا ما اخترتهومش على حسابك!” صرخت وأنا بقوم أقف قصاده: “أنا شلت الدهب عندهم عشان خفت عليه في بيت العيلة بتاع أهلك أنت! خفت يتسرق من الشقة اللي داخلاها وطالعاها أختك وأخوك! أنا كنت خايفة على مالك يا صالح!”
الكلام نزل عليه زي القلم على وشه. عينيه اتسعت بلحظة الذهول، والجمود اللي في وشه اتهز. خطوة لورا خدها، وكأنه افتكر إن شقتنا فعلاً كانت في بيت عيلته هو وإن المكان مكنش أمان. بس الخبث والتعب كانوا أعمق من إنه يعترف بغلطه. كابر وقال بصوت حاد: “برضه مكنش يديكي الحق تشيليه عند أخوكي الحرامي من غير ما تقوليلي! الحساب بيني وبينك بقام عند المحامي، والبنات هيروحوا معايا بلدنا، ولو عاوزة تشوفيهم.. القانون بيناتنا يا بنت الأصول!”
مسك إيد البنات وزقني بعيد عنه، وأخد الشنط وركب أتوبيس الشرقية اللي كان بيحرك. وقفت على الرصيف والأتوبيس بيمشي ببطء، البنات كانوا باصينلي من الشباك وبيصرخوا ويدقوا على الزجاج: “ماما! تعالي معانا يا ماما!”.. وأنا يجري ورا الأتوبيس لغاية ما زاد سرعته واختفى في وسط الزحمة.
وقعت على الأرض، الرمل والتراب اتلم على هدومي. حاسة إن الدنيا أخدت مني كل حاجة في يوم واحد: جوزي، بناتي، شرف عيلتي، وكرامتي.
ساعات مرت وأنا مش عارفة أروح فين. رجلي أخدتني لبيت أمي.. البيت اللي كان مصدـ,,ـــر الأمان بقى زي المقبــ,,ـــــرة. فتحت الباب بالمفتاح ودخلت. الشقة كانت فاضية، كراكيب رمياها الشرطة لما دخلوا يفتشوا، أوراق مرمية على الأرض، وصورة أمي وأبويا المتوــ,,ـــــفي متعلقة على الحيطة.
قعدت على الأرض في صالة بيت أمي، وبصيت للصورة وصرخت: “ليه يا أمي؟! ليه عملتي فيا كدة؟! أنا كنت بنتك الحبيبة اللي بتسمع كلامك! ليه تبيعي بيتي عشان تسندي حسام وسمر؟! عملتلك إيه عشان تدمريني بالمنظر ده؟!” التليفون رن في إيدي.. كان رقم غريب. رديت بصوت مهدود: “أيوة..” صوت راجل جاد قال: ” الأستاذة أمل؟ أنا الأستاذ مجدي محامي العيلة.. أنا جالي إخطار إن والدتك والأستاذ حسام ومدام سمر معروضين على نيابة التجمع الصبح في قضية السرقة وخيانة الأمانة. والدتك طلبتني وقالتلي أكلمك عشان تيجي تحضري معاهم وتدفعي كفالة أو تقدمي تنازل باسم جوزك!”
ضحكت ضحكة هستيرية، ضحكة طالعة من قاع الوجع: “أحضر معاهم؟! أقدم تنازل؟! أنت عارف أهلي عملوا إيه يا أستاذ؟! أهلي سرقوا جوزي ودمروا بيتي وشردوا بناتي وجوزي طلقني بسببه!” المحامي سكت شوية وبعدين قال بأسى: “أنا فاهم موقفك يا مدام أمل.. بس والدتك ست كبيرة، وضغطها مرفوع جداً في الحجز، والدكتور تم استدعاؤه ليها مرتين للنيابة، ولو اتحبست احتياطي على ذمة القضية ممكن تجيلها جلطة وتفوت فيها. حسام وسمر هما المحركين للقصة، بس والدتك متهمة أساسية لأنها المستأمنة.”
الكلمات نزلت تقيلة على قلبي. أمي.. أمي اللي شالتني تسع شهور، أمي اللي مهما عملت تفضل أمي.. هسيبها تمــ,,ـــــوت في السجــ,,ـــــن؟ ولا هقف مع الراجل اللي اترميت في الشارع بسببه ولغالي حياتي؟ في اليوم التالي، الصبح بدري، كنت واقفة قدام سرايا النيابة. عينيا كانت زي جمر النــ,,ـــــار من كتر العياط. النيابة كانت زحمة، والعساكر واقفين، وشفت القوة وهي داخلة والمتهمين متكلبشين في بعض.
حسام وسمر وطارق كانوا في الأوسط، وأمي كانت ماشية في آخر السلسلة، العكاز في إيد والإيد التانية متكلبشة في يد عسكري! ووشها كان أصفر زي المــ,,ـــــوت، عينيا جات في عينها.. شفت في عين أمي كسرة ورعب عمرهم ما دخلوا بيتنا. أول ما شافتني، شفايفها اترعش وقالت بصوت ملوش أثر: “أمل.. سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا أمل.” حسام بصلي بحدة وصرخ وهو ماشي: “اتكلمي مع المحامي يا أمل! هاتي تنازل من صالح قبل ما يتعرضنا على القاضي وننزل سجــ,,ـــــن الاستئناف!”
أنا وقفت متسمرة، مش قادرة أتحرك. وفي نفس اللحظة، شفت صالح داخل مبنى النيابة ومعه المحامي بتاعه، ووراهم تاجر الدهب بتاع الصاغة اللي اشترى السبايك الأولى والمباحث جابته للشهادة. صالح أول ما شافني واقفة قدام باب النيابة، عينيه ضاقت بغضب قاتل. قرب مني والمحامي بتاعه جنبه، وقال بصوت حاد سمع الناس اللي واقفه: “جاية ليه يا أمل؟! جاية تدافعي عن العيلة المباركة؟! جاية تتطلبي مني أتصلح مع اللي سرقوني؟!” بصيت لعين صالح بثبات لأول مرة، وقلت بصوت حاسم: “أنا مش جاية أدافع عن حد يا صالح.. أنا جاية أخد حقي وحق بناتي.”
صالح ضحك باستهزاء: “حقك؟! أنتِ لسه ليكي حق عندي؟! أنا رميتلك ورقة طلاقك عند المحامي النهاردة الصبح! أنتِ مبقتيش مراتي!” الكلمة نزلت على قلبي زي الرصاصة، بس مدمعتش. ناشفة.. الدموع جفت جوايا. بصيتله وقلت: “طلقتني؟ تمام يا صالح.. ده حقك. بس الدهب ده كان فيه غوايش وسبائك ملكي أنا شخصياً.. دهب شبكتي ودهب أبويا الله يرحمه اللي شيلته معاك في الخليج وجبنا بيه السبايك. أنا ليا أكتر من نص الدهب ده بالأوراق والفواتير اللي مكتوبة باسمي!”
صالح اتصدم، ومحاميه بص بذهول وفتح الملفات اللي معاه يراجع الأسماء على الفواتير. كملت كلامي بثبات يقشعر له البدن: “طالما بعتني ورميتني وخدت بناتي مني ومنعتني عنهم، يبقى القوانين هي اللي هتتكلم.. الدهب ده مش بتاعك لوحدك يا صالح، والنيابة مش هتسلمك حرز القضية غير لما نحدد حصتي وحصتك! وأنا مش هتنازل عن نصي، ومش هسيبك تاخد بناتي بالقوة!” صالح خطى خطوة ناحيتي، وشه احمر وعيونه كانت هتطلع من مكانها: “بتهدديني يا أمل؟! بتدخلي معايا في حرب عشان خاطر الحرامية دول؟!”
“لا يا صالح..” قلتها وأنا ببص في عينيه بقسوة لأول مرة في حياتي: “أنا بدخل حرب عشان خاطري أنا وبناتي! أنت افتكرت إني ضعيفة وهسيبك تدوس عليا عشان أهلي غلطوا.. بس أنت نسيت إن أمل اللي استحملت الغربة والفقر معاك أربع سنين، ممكن تتحول لوحش لما تلاقي نفسها اتعرت من كل حاجة!” في اللحظة دي، العسكري نده على اسم المتهمين واسم المجني عليه لدخول مكتب وكيل النيابة لبدء جلسة التحقيق الحاسمة.
دخلنا كلنا الأوضة.. وكيل النيابة قاعد ورا مكتبه الفخم، والملفات مفتوحة قدامه. المتهمين واقفين في الجانب: حسام، سمر، طارق، وأمي اللي كانت قاعدة على كرسي بتترعش. وصالح واقف في الجانب التاني ومعه محاميه، وأنا واقفة في النص بين الاتنين.. لا مع أهلي اللي خانوني، ولا مع جوزي اللي طلقني وباعني. وكيل النيابة بص في الأوراق وبعدين رف عينيه لينا كلنا وقال بصوت هادي وصارم: “أنا استعرضت اعترافات المتهم طارق، وتقرير مباحث التموين والصاغة، وأقوال المجني عليه صالح.. الجريمة مكتملة الأركان، والسبائك المضبوطة جزئياً ثبت ملكيتها بالبارکود. بس في نقطة جديدة ظهرت في التحقيقات هتقلب موازين القضية دي تماماً!”
كلنا بصينا لوكيل النيابة بلهفة ورعب. وكيل النيابة بص للشهادة اللي قدامه ووجه كلامه لحسام وسمر: “التاجر بتاع الصاغة اللي اتمسك معاه السبايك اعترف باعتراف جديد تحت الضغط.. قال إن في كمية دهب ثانية كبيرة جداً اتباعت من تلات شهور لحساب شخص محدد في العيلة، ومبلغها اتحول لحساب بنكي برة مصر!” صالح صرخ بذهول: “برة مصر؟! لحساب مين يا فندم?!” وكيل النيابة رف ورقة التحويل البنكي وبص للجميع، وبعدين عينيه استقرت على الشخص اللي محدش كان يتوقع أبداً إن إيده تكون واصلة لبرة مصر.. وقال الكلمة اللي خليت الأوضة كلها تتجمد من الصدمة!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”